علي بن عطية الهيتي ( شيخ علوان )

293

نسمات الأسحار

جاء شقيق عارض رمحه * إن بنى عمك فيهم رماح ولهذا أكد سيد الخلق صلى اللّه عليه وسلم بالقسم فقال : كلا ورب الكعبة . وكثيرا ما ينزل العالم بالشئ منزلة الجاهل به لعدم جريه على موجب العلم كما يقال للعالم : التارك للصلاة الصلاة ، ومنه قوله تعالى : وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَلَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ [ البقرة : 102 ] . قال التفتازاني في المختصر : بل تنزيل وجود الشئ منزلة عدمه كثير : منه قوله تعالى : وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ [ الأنفال : 17 ] . وهذا وإن كان خارجا عن السياق فلا يخلو عن فائدة : إذ مرجعه فن المعاني ، ثم تدبر زجر سيد الخلق صلى اللّه عليه وسلم أبا بكر تعريضا وتلويحا ، إذ كان رضى اللّه عنه سريع الانقياد إلى الحق ، كيف لا ، وما مشى على الأرض بعد النبي صلى اللّه عليه وسلم أفضل منه رضى اللّه عنه كما سيأتي في ترجمته إن شاء اللّه تعالى . فلوح له صلوات اللّه وسلامه عليه ولم يصرح ففهم رضى اللّه عنه مراده ، فأعتق كفارة عن ذنبه ، ثم جاء واعتذر إلى سيد الخلق بالتوبة ، وقال : لا أعود ، وفي هذا إشارة إلى أن الإنسان لا ينبغي له أن يأخذه في اللّه لومة لائم ولا يداهن أخاه ولا صديقه ، فإن أبا بكر رضى اللّه عنه لا تخفى منزلته عن سيد الخلق ، ومع ذلك لم يحابه ولم يداهنه حاشاه صلى اللّه عليه وسلم من ذلك لا يقر إلا على الحق فإياك والمداهنة . فقد حكى الغزالي في إحيائه نقلا عن مالك بن دينار : أنه كان حبر من أحبار بني إسرائيل يغشى مجلسه الرجال والنساء يعظهم ويذكرهم بأيام اللّه ، فرأى بعض بنيه يوما وقد غمز بعض النساء فقال : جهلا يا بنى مهلا قال : فسقط عن سريره وانقطع نخاعه وأسقطت امرأته وقتل بنوه في الحبس ، فأوحى اللّه إلى نبي زمانه أن أخبر فلانا الخبر أنى لا أخرج من ولدك صديقا أبدا ، إنه ما كان من غضبك لي إلا أن قلت مهلا يا بنى مهلا . ولو فتحنا هذا الباب لخرجنا عن المقصود بالكلية ، فعليك بالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ولا تحاب أحدا ، فلقد كان لكم في رسول اللّه أسوة حسنة خصوصا اللعن ، فقد قال حذيفة رضى اللّه عنه : ما تلاعن قوم قط إلا حق عليهم القول .